حيدر حب الله
28
حجية السنة في الفكر الاسلامي
الأصحّ ؛ وأن اقتران مفهوم الحُسن بالسنّة إنما جاء وليداً للثقافة الإسلامية في ثنائيتها التي قدّمتها تحت عنوان : السنّة والبدعة ، وإلا فتحرير المفردة من الثقل الإسلامي الذي حملته بعد البعثة النبوية يستدعي فهم السنّة على أنها مطلق الطريقة . وربما يشهد لذلك قوله تعالى : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) ( الأنفال : 38 ) ، وقوله سبحانه : ( اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) ( فاطر : 43 ) ، فإن السنّة هنا هي العذاب الدنيوي النازل على الكافرين ، وهو أمرٌ محمَّل بالمعاني السلبية ، لا سيما بعد إضافته إلى الأوّلين المفروض ذمّهم في القرآن الكريم في سائر القصص ، كما فيما ورد حول عاد وثمود وغيرهما . نعم ، حاول الباحث المعاصر محمد شحرور أن يستخرج مفردة السنّة من ( سن ) التي تعني في اللسان العربي اليسر والجريان بسهولة ، كقولنا : ماء مسنون ، أي يجري بسهولة واستنتج من ذلك تطبيق هذا المفهوم اللغوي على التجربة النبوية ، من حيث إنها تعبّر عن ممارسة النبي تطبيق أحكام أمّ الكتاب بطريقة متحركة ضمن حدود الله « 1 » . والجذر اللغوي الذي تحدّت عنه شحرور صحيح ، وقد أشار إليه ابن فارس أيضاً « 2 » ، لكنّ تطبيق شحرور لهذا الجذر اللغوي غير دقيق ؛ لأنّ ( سنّ ) تدلّ على جريان الشيء واطراده في يُسر وسهولة ، ولهذا عبّروا عن السيرة بالسنّة وعن العادة والطريقة بالسنّة ؛ لأن الشيء عندما يكون عادةً وسيرةً وطريقة فإنه يشبه الشيء الجاري بسهولة ؛ فغير العادات تجري بغير سهولة أما العادة فتصدر في الواقع بجريان وسهولة ويُسر ، وهذا هو المدلول الأوّل الأقرب إلى الجذر اللغوي بحيث لو طبّقنا الجذر على السنّة النبوية - ونحن هنا علماء لغةً - لكان المعنى تلقائياً هو الطريقة والعادة والسيرة ، أما
--> ( 1 ) محمد شحرور ، الكتاب والقرآن : 549 ؛ وانظر : ذويب ، السنّة بين الأصول والتاريخ : 22 - 30 . ( 2 ) معجم مقاييس اللغة 3 : 60 .